06 - 06 - 2026

إبداعات | الفصل الأول من رواية "مايا - الجزء الثاني" لمحمد مصطفى الخياط

إبداعات | الفصل الأول من رواية

مفتتح

حَبيبي حَبيبٌ يَكتُمُ الناسَ أَنَّهُ

لَنا حينَ تَرمينا العُيونُ حَبيبُ

يُباعِدُني في المُلتَقى وَفُؤادُهُ

وَإِن هُوَ أَبدى لي البِعادَ قَريبُ

وَيُعرِضُ عَنّي وَالهَوى لي مُقبِلٌ

إِذا خافَ عَيناً أَو أَشارَ رَقيبُ

فَتَخرَسُ مِنّا أَلسُنٌ حينَ نَلتَقي

وَتَنطِـقُ مِنّا أَعيُنٌ وَقُلــوبُ

شعر: أحمد بن طيفور (819 – 893م) 

1

صيف سانتياجو 2024

أربع كلمات لا أكثر تلقيتها صباح أحد أيام نوفمبر الماضي، أربعة كلمات لا تقل في غرابتها عن طقس سانتياجو الشهير بتقلباته، وعلى المقيمين داخلها الاستعداد للمرور بكل الفصول في يوم واحد من دون فواصل أو إنذارات مسبقة.

لخريف سانتياجو إيقاعه الخاص، مزيج بين الشتاء والصيف، يخالطني شعور بأن الطقس كائن حي يفرح ويحزن، وأن ما نعيشه من التباس بين الفصول ليس إلا دورات أشبه بدورات الطمث، وعوارض ضعف الذاكرة رجالاً ونساء، والفيضان والجفاف. ثنائيات تتوالى، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي إلى حيث تبدأ.

يشطح خيالي أكثر فأرى الطقس وقد أسرف من فرط نسيانه في تناول الأطعمة البحرية وأقراص أوميجا ثري، عساه يُنشط ذاكرة صدئة، تشاغبه حينًا، ويشاغبها أحيانًا أخرى. تارة يتصور أنه الصيف فينفث من حرارته مقدار ما يستطيع أن ينفث، فتدور أجهزة التكييف والمراوح ويلقي الجميع ملابسهم الثقيلة جانبًا، وفجأة وبدون مقدمات يضرب جبهته بكفه الساخنة متذكرًا أنه نوفمبر اللعين، فيدير قرص الحرارة اللافحة مائة وثمانين درجة، حيث البرودة القارسة والرياح الباردة، فلا تشك في أنه الشتاء جاء غازيًا فاتحًا، لكنني لا ألبث أتذكر أنني رغم مضي أكثر من عقدين على مغادرتي مصر، قُسمت تقريبًا بالتساوي بين بيروت وسانتياجو، إلا أنني لم أتأقلم بعد على هذا الطقس المتقلب تقلب الزمان والأحداث.

أربع كلمات بدت تعبيرًا دقيقًا لمعناها ولمزاج نوفمبر المتقلب فاقد البوصلة والاتجاه، كلمات لم أعرف لها معنى، وبالأحرى الغرض منها، وإن بدت بسيطة، (صباح الخير .. طمني عنك)، أربع كلمات يمكن أن تتلقاها من أحد معارفك القريبين وكذلك من أولئك الذين تتواتر لقاءاتك بهم، وجهًا لوجه أو عبر فضاء سيبراني متسع الأرجاء، فتجيب عنها دون أن تُلقي لها بالاً. لكنها حال تأتي من شخص سب ولعن كل لحظة رآني فيها وأقسم بأغلظ الأيمان على قطع علاقته بي، وبالفعل بَرَّ قسمه سنوات طويلة، منذ ودعته في بيروت، فهذا ما أثار الحيرة في نفسي والشكوك في رأسي.

أربع كلمات مقتضبة احتوتها رسالة زياد غتوري، ناشر روايتي الأخيرة؛ مايا، وما أدراك ما مايا. أؤمن بأن لكل شخص نصيب من اسمه، وما مايا إلا برهانٌ على ذلك، فمع أنها في اليونانية ترتبط بالربيع والخصب، فإنها في الفلسفة الهندية، وفي اليابانية، تعني الوهم أو الخيال. وهكذا كانت مايا بالفعل، ربيعٌ متفتح حين تصفو، ووهمٌ جميل حين تقترب منها. أشبه بسراب يحسبه الظمآن ماءَ. 

كانت فترة إعداد الرواية للنشر قد شهدت بيني وبين زياد توترات من تلك التي تصاحب النشر، بعضها لتأخري في إرسال المراجعة النهائية، وبعضها الآخر لاختلاف آراءنا حول تصميم الغلاف، وقد بلغ التوتر مداه حين أرسل إلى إدارة معرض الكتاب بالشارقة برنامج الإعلان عن الرواية وحفل التوقيع بحضور المؤلف، ثم عاد وألغى حفل التوقيع على خلفية تلك الأحداث.

عرفت زياد لسنوات طويلة، وكان إلى جانب ما بيننا من عمل يربطنا إطار من مودة تتعكر حين نعمل معًا على نشر كتاب، ثم لا تلبث تعود سماوات محبتنا صافية رقراقة. أتخيله في أوقات توتره يسب ويلعن ما شاء له لسانه الفالت من لعنات وسباب، ثم تعمل الأيام عملها، فتهدأ النفس التي طالما هاجت، وتخمد النار التي طالما اتقدت، ويتبدل عبوس الوجه بانبساط الملامح مع ابتسامة خفيفة تضيء وجهه.

ولعل ما أصابني من حيرة، حين قرأت رسالته، مرده ذلك الانقطاع الطويل غير المعتاد، إلا أنني لم ألبث أن ابتسمت وقلت في نفسي بنبرة سخرية؛ لربما أصابه أيضًا شيءٌ من طقس سانتياجو المتقلب، وابتسمت فبحسب سابق تعاملاتنا يتمتع الرجل بذاكرة يـُحسد عليها، ذاكرة لا تكتفي بحفظ الخطوط العريضة للمواقف، بل بصورها وتفاصيلها الدقيقة قبل الكبيرة، ومن قال ومن نظر.

كان قد مضى قرابة العشرة أعوام على آخر تواصل بيننا، وتحديدًا يوم مر فرناندو عليّْ -بعد عودته من مكتب البريد- مساءً في مكتبي بمبنى الأمم المتحدة بشارع داج همرشولد حاملاً ذلك الصندوق الكرتوني في سيارته الأجرة. كعادته، ألقى تحية المساء ثم اندفع يتحدث بلا توقف، دون أن ينتظر مني جوابا، ولما ينتظر ردًا وهو يعلم أني لا أتحدث تلك الإسبانية المكتظة بحرف الثاء، لذا مضى في حديثه دون توقف وهو يشير بيديه إلى مؤخرة السيارة.

كان يعلم قدر شوقي للرسالة المنتظرة، ويعلم أيضًا أني لا أفهم حرفًا مما يقول، إذ لم أكن قد تعلمت الإسبانية في ذلك الوقت، ومع هذا كان بيننا ود كبير تأسس على المشاعر، يتحدث كأني أصغي إليه وأفهم ما يقول، وأنا من هذا كله براء، حتى يظن كل من تقع عينه علينا أننا مندمجون في أحاديث من القلب إلى القلب.

كان مثالاً حيًا لفكرة أنك عندما تجد من تتآلف معه، فيفهمك وتفهمه، تتراجع اللغة المنطوقة، وتصبح المشاعر والأحاسيس اللغة الرسمية.

سارت بنا السيارة وكلي بهجة وسعادة، وطلبت منه أن نمر في طريقنا عودتنا على أحد محال الحلويات حيث ابتعت كعكتين، أهديته واحدة وصنعت بالأخرى احتفالاً بسيطًا لي أنا ومايا، حضرته وحدي وهنأت فيه نفسي، وضعت شمعة قانية الحمرة في منتصف الكعكة وغنيت بصوت خشن أغنية عيد الميلاد حيث تصادف وصول النسخ مع عيد ميلادها، ما زالت لغة الكون تبهرنا بانسجامها، وما زال سانتياجو باولو كويللو يتابع قراءة مفرداتها مذهولاً مبهورا، أهو ميلاد جديد لمايا؟ أم ميلاد جديدٌ لنا معًا؟

عندما تحسست ليلتها غلاف الرواية شعرت أني أمرر يدي على وجه مايا الرخامي، فقبلت خيالها ألف ألف قبلة، أشبعتها لثمًا وتقُبيلاً! وما شبعت! 

كانت تلك الليلة، أيضًا، آخر تواصل بيني وبين زياد، بعثت إليه رسالة أُخبره فيها استلامي النسخ وأهنئه أيضًا على صدورها، ردًا على رسالته التي كتبها بخط أسود سميك على ورقة وضعها أعلى النسخ بداخل الصندوق الكرتوني، (تهانيَّ بصدور الرواية، تحياتي وتقديري وإلى عمل قادم إن شاء الله، توقيع الناشر)، ثم شغلتني الأحداث عن متابعة معدلات الإقبال على الرواية، ولم أكن أنتظرُ أن استيقظ ذات صباح وقد تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعًا.

ذهبت بي الظنون وأنا أعاود قراءة رسالته المقتضبة بكلماتها الأربع كل مذهب، فتصورت أنه ربما رد فعل لحالة ركود أصابت سوق النشر فتواصل للاستفسار عما إذا كان هناك ما يستحق النشر، وأنه (أكل العيش) الذي قد يكون دفعه للتواصل معي على غير رغبته، مغمضًا عينيه عما تستدعيه ذاكرته الفوتوغرافية من صور مهاتراتنا القديمة.

وفي النهاية، قدمت حسن الظن على السيء منه، وقلت في نفسي لعلها الأيام قد قامت بدورها في تبريد الخلافات ومسح الكثير من معالم الصور المؤلمة بممحاة النسيان. كحت الزمن في رواحه ومجيئه صورة خلافاتنا وحولها إلى خيال باهت بلا ملامح أو قيمة، فقدم سابق الود على تلك الخيالات السخيفة. فزياد حتى وإن ثار واعترض، يظل قلبه نقيًا أملس، لا تعلق به شوائب المواقف والأحداث، ولعله تناول هاتفه وكتب تلك الرسالة القصيرة، ليعيد بها ماء الود إلى قنواته الجافة.

ظنون واحتمالات، يأتي أحدها، ثم لا يلبث قرينه أن يقذف به بعيدًا، حتى وجدتني أهز رأسي وأتناول هاتفي وأكتب له رسالة (عزيزي زياد.. سعدت جدًا برسالتك.. أرجو أن تكون بخير.. تمنياتي بدوام التوفيق)، ثم نسيت الأمر وتكفل الكثير من تراب وحجارة الأيام والمشاغل بردمه حتى لم يعد يظهر له أثر.

بعدها بأسبوعين تلقيت رسالة تالية ذكر فيها أنه لم يكن متأكدًا أنني ما زلت احتفظ بنفس الرقم بعد سفري من بيروت للعمل في سانتياجو، آثر أن يستشرف الأمر أولاً، ليتيقن أنه يخاطبني، ابتسمت وأنا أقرأ رسالته وقلت في نفسي (أسبوعان حتى تستوعب وتتيقن!! يا له من عمل مخابراتي معقد!!)، ثم اتجهت للمطبخ وأعددت فنجان قهوة سرحت مع رشفاته بعيدًا إلى بيروت حيث وجه مايا، رغم علمي بسفرها إلى أبو ظبي، ثم توالت الذكريات، يسابق بعضها بعضا، وإذا الماضي حاضرٌ بين يدي..  ولعلي لا أبالغ عندما أقول إنني مددت ذراعيّ نحو ذراعيها المفرودتين ودُرنا دورة كاملة ونحن متشابكي الأيدي، معلقةٌ عيوننا ببعضها البعض.. ثم، وثم، وثم، حتى أشرق الصباح وأنا على يقين أن رأسها ما زال على صدري!

قطعت رنة الهاتف شريط الذكريات.. كان ...

يُتبع 

---------------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

رابط النشر على موقع Wattpad